محمد محمد أبو موسى
714
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر . وذكر هذه الآيات مثالا لهذا النوع ، وهذا ما ذكره العلوي . وأفهم من هذا الكلام أننا لو قلنا : « وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنسقيه مما خلقنا أناسي كثيرا وأنعاما ولنحيى به بلدة ميتا » ، وقلنا : « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم سابق بالخيرات ومنهم مقتصد ومنهم ظالم لنفسه » ، وقلنا : « واللّه خلق كل دابة من ماء فمنهم يمشى على أربع ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على بطنه » لم تنقص بلاغة الآيات ، ولكان لها وجه من الحسن ما دام التقديم والتأخير سواء ، ولا شك أن هذا رأى آفل ونظر قاصر ، وذلك لأنه تجاهل لمقتضيات الأحوال ومتطلبات المقامات ، فإذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة فإننا لسنا بالخيار - كما قال ابن الأثير وتبعه العلوي - وانما علينا أن نقدم الشيء المختص بصفة يقتضى المقام تقديمها على غيرها . فلما كان المراد - واللّه أعلم بمراده - بيان حال من أورثهم اللّه الكتاب وأن أكثرهم على ظلم نفسه وقليل منهم المقتصد وأقل منه من سبق بالخيرات ناسب هذا أن يقدم الأكثر لأنه الأعون على المراد ولأن فيه مبادرة بالعتاب على تفريط المؤمنين في حق أنفسهم ، فأكثرهم ظالم لنفسه ، ولما كان المراد بقوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً » - بيان دقة صنع الحكيم سبحانه واحكام ما في هذا الكون على نظام دقيق وترتيب عجيب جاء بهذا الترتيب المؤذن بترتب الأسباب وبيان ما عليه أمر الناس ومعاشهم في هذه الأرض الميتة التي أحياها اللّه بالماء فأحيا فيها أنعامها فكانت حياة الناس وكان متقلبهم ، ولما كان المراد بقوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ » اظهار آثار قدرة اللّه سبحانه كان الأنسب ذكر الأعجب ، فقدّم من يمشى على بطنه ثم من يمشى على رجلين . . . إلى آخره . لهذا لم تكن مراعاة الصفات الأخرى مسايرة لقانون البلاغة ، وليس فيها شئ من الحسن كما يقول العلوي وابن الأثير .